مقدمة
ربما يعلم البعض منكم أنني أمارس هواية نشر الكتب المترجمة من لغات أوروبا الشرقية إلى الإنجليزية والهولندية عبر موقع glagoslav.com. ومن بين منشوراتي الأخيرة كتاب لمحامٍ روسي بارز يُدعى Anatoly Kucherena، يتولى قضية Snowden في روسيا. لقد كتب المؤلف كتاباً يستند إلى القصة الحقيقية لموكله Edward Snowden بعنوان "Time of the Octopus"، والذي أصبح أساساً لسيناريو فيلم هوليوود الصادر مؤخراً "Snowden"، من إخراج أوليفر ستون، وهو مخرج أفلام أمريكي بارز.
اشتهر إدوارد سنودن على نطاق واسع باعتباره مُخبِراً (مُبلِّغاً عن المخالفات) قام بتسريب كمية كبيرة من المعلومات السرّية بشأن “أنشطة التجسّس” التي تقوم بها وكالة المخابرات المركزية (CIA) ووكالة الأمن القومي (NSA) ومركز الاتصالات الحكومية (GCHQ) إلى الصحافة. يُظهر الفيلم، من بين أمور أخرى، استخدام برنامج “PRISM”، الذي مكّن وكالة الأمن القومي من اعتراض الاتصالات على نطاق واسع ودون موافقة فردية مسبقة من القاضي. قد يعتبر كثيرون هذه الأنشطة بعيدة عن واقعهم ويصفونها بأنها مجرد مشاهد من أفلام أمريكية. غير أن الواقع القانوني الذي نعيشه يثبت عكس ذلك. ما لا يعرفه الكثيرون هو أن حالات مماثلة تحدث أكثر مما تتصور، وحتى في هولندا. ففي 20 ديسمبر 2016، اعتمد مجلس النواب الهولندي مشروع القانون شديد الحساسية المتعلق بالخصوصية بعنوان “Computercriminaliteit III”.
مشروع قانون الجرائم الحاسوبية الثالث، الذي لا يزال يتعين اعتماده من قبل مجلس الشيوخ والذي يدعو الكثيرون الآن إلى فشله، يهدف إلى منح مسؤولي إنفاذ القانون (الشرطة، والدرك الملكي، وحتى أجهزة التحقيق الخاصة مثل FIOD) القدرة على إجراء تحقيقات (أي نسخ المعلومات، ومراقبتها، واعتراضها، وجعلها غير قابلة للوصول) بشأن "الأعمال المؤتمتة" أو "الأجهزة المؤتمتة" (لغير المتخصصين: أجهزة مثل أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة) للكشف عن الجرائم الخطيرة. ووفقاً للحكومة، أصبح من الضروري منح مسؤولي إنفاذ القانون القدرة على - بعبارة صريحة - التجسس على المواطنين، لأن الجريمة في العصر الحديث بالكاد يمكن تتبعها بسبب تزايد إخفاء الهوية الرقمي وتشفير البيانات. في المذكرة التوضيحية لمشروع القانون، وهي وثيقة يصعب قراءتها وتتكون من 114 صفحة، تم وصف خمسة أهداف يمكن بموجبها استخدام سلطات التحقيق:
تحديد وتسجيل بيانات معينة من الجهاز المؤتمت أو من المستخدم، مثل الهوية أو الموقع: بشكل أكثر تحديداً، هذا يعني أن مسؤولي إنفاذ القانون يمكنهم الوصول سراً إلى أجهزة الكمبيوتر وأجهزة التوجيه والهواتف المحمولة للحصول على معلومات مثل عنوان IP أو رقم IMEI.
التقاط البيانات التي تم تخزينها في الجهاز المؤتمت: يمكن لمسؤولي إنفاذ القانون التقاط البيانات اللازمة «للتحقق من الحقيقة» وحل الجرائم الخطيرة. ويمكن التفكير هنا في التقاط صور المواد الإباحية المتعلقة بالأطفال وبيانات تسجيل الدخول للمجتمعات المغلقة.
جعل البيانات غير قابلة للوصول: يصبح من الممكن جعل البيانات التي استُخدمت في ارتكاب جريمة غير قابلة للوصول لإنهاء الجريمة أو منع الجرائم المستقبلية. ووفقاً للتوضيح، يجب أن يصبح من الممكن بهذه الطريقة مكافحة شبكات الروبوت (botnets).
تنفيذ أمر بالتنصت وتسجيل الاتصالات (السرية): في ظل ظروف معينة، يصبح من الممكن التنصت على المعلومات (السرية) وتسجيلها بمساعدة أو بدون مساعدة مزود خدمة الاتصالات.
تنفيذ أمر بالمراقبة المنهجية: يحصل مسؤولو إنفاذ القانون على القدرة على تحديد الموقع وتتبع تحركات المشتبه به، وربما عن طريق تثبيت برامج خاصة عن بُعد على الجهاز المؤتمت.
سيُخيَّب ظنّ الأشخاص الذين يعتقدون أن هذه السلطات لا يمكن استخدامها إلا في حالة الجرائم المرتكبة عبر الفضاء الإلكتروني. يمكن تطبيق سلطات التحري المشار إليها في النقطتين الأولى والأخيرة كما هو موضح أعلاه في الجرائم التي يُسمح فيها بالحبس الاحتياطي، أي الجرائم التي ينص القانون على عقوبة حدّ أدنى لها قدرها 4 سنوات. ولا يمكن استخدام سلطات التحري المرتبطة بالهدفين الثاني والثالث إلا في الجرائم التي ينص القانون على عقوبة حدّ أدنى لها قدرها 8 سنوات. بالإضافة إلى ذلك، يجوز لمرسوم عام أن يبيّن جريمة ارتكبت بمساعدة إجراء مؤتمت، وهو من الأهمية الاجتماعية الواضحة أن تُوقَف الجريمة وأن تُلاحَق مرتكبيها. ولحسن الحظ، لا يمكن السماح بالولوج إلى الإجراءات المؤتمتة إلا إذا كان المشتبه به يستخدم الجهاز.
الجوانب القانونية
وبما أن الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة، فإن الإشراف والرقابة الجيدة ليست أبداً ترفاً زائداً. إذ يمكن ممارسة سلطات التحقيق التي يمنحها مشروع القانون بشكل سري، غير أن طلب تطبيق أداة من هذا النوع لا يجوز تقديمه إلا من قِبل وكيل النيابة العامة. وتستلزم موافقة مسبقة من قاضي التحقيق، كما تقوم «اللجنة المركزية للمراجعة» التابعة للنيابة العامة بتقييم الاستخدام المزمع للأداة. إضافةً إلى ذلك، وكما ذُكر سابقاً، توجد قيود عامة لتطبيق هذه السلطات على الجرائم التي تبلغ عقوبتها الدنيا 4 أو 8 سنوات. وفي جميع الأحوال، يجب استيفاء متطلبات التناسب والتدرّج/التخفيف بالبدائل (الضروريات) فضلاً عن المتطلبات الموضوعية والإجرائية.
مستجدات أخرى
تمت مناقشة الجانب الأكثر أهمية في مشروع قانون الجرائم الحاسوبية الثالث الآن. ومع ذلك، لاحظت أن معظم وسائل الإعلام، في نداءاتها المتكررة، أهملت مناقشة موضوعين إضافيين مهمين في مشروع القانون. أولهما أن مشروع القانون يتيح أيضاً استخدام ما يُعرف بـ "المراهقين طُعماً" للكشف عن "المُهيِّئين" (groomers). ويمكن اعتبار المُهيِّئين بمثابة النسخة الرقمية من "المستقطِبين" (loverboys)؛ أي الذين يسعون إلى إقامة تواصل جنسي رقمي مع القاصرين. علاوة على ذلك، سيصبح من الأسهل ملاحقة متلقي البيانات المسروقة والبائعين الاحتياليين الذين يمتنعون عن تسليم السلع أو الخدمات التي يعرضونها عبر الإنترنت.
الاعتراضات على مشروع قانون الجرائم الحاسوبية الثالث
يمثل مشروع القانون هذا، من حيث المبدأ، تدخلاً بالغ الضخامة في خصوصية المواطنين الهولنديين. فمجال تطبيق القانون واسع بشكل لا ينتهي. أستطيع أن أعدد العديد من الاعتراضات، من بينها أن النظر إلى قصر تطبيقه على الجرائم التي تبلغ عقوبتها الدنيا 4 سنوات يجعل المرء يستنتج فوراً أن هذا حدٌ معقول، وأن الأمر سيتعلق دائماً بجرائم بالغة الفداحة لا يمكن التغاضي عنها. غير أن الشخص الذي يبرم زواجاً ثانياً عمداً ويرفض إبلاغ الطرف الآخر قد يُحكم عليه مع ذلك بالسجن حتى 6 سنوات. علاوة على ذلك، قد يتبيّن في نهاية المطاف أن المشتبه به بريء. ولا يتم عندئذٍ فحص بياناته هو/هي بدقة فحسب، بل ربما أيضاً بيانات أشخاص آخرين لا علاقة لهم بالجريمة التي لم تُرتكب في نهاية الأمر. ذلك أن أجهزة الكمبيوتر والهواتف تُستخدم، في نهاية المطاف، بشكلٍ خاص للتواصل مع الأصدقاء والعائلة وأصحاب العمل وعددٍ لا يُحصى من الآخرين. فضلاً عن ذلك، يظل التساؤل قائماً عمّا إذا كانت لدى الأشخاص المسؤولين عن الموافقة على الطلبات المقدمة بموجب مشروع القانون والإشراف عليها معرفة متخصصة كافية لتمكينهم من تقييم الطلب بشكل صحيح. ومع ذلك، يبدو أن مثل هذا التشريع في الوقت الحالي شرٌّ لا بد منه تقريباً. فشبه الجميع قد تعرض في مرحلة ما لعمليات الاحتيال عبر الإنترنت، وتتزايد التوترات إلى مستويات عالية جداً عندما يشتري شخص ما تذكرة حفلة مزيفة عبر سوقٍ إلكتروني. وإضافة إلى ذلك، لا يتمنى أي أحد أن يتواصل طفله أثناء تصفحه اليومي للإنترنت مع شخص غير موثوق. ويبقى السؤال: هل يُعد مشروع قانون جرائم الكمبيوتر III، بما يتيحه من إمكانات واسعة، هو الطريق الصحيح؟
الخاتمة
يبدو أن مشروع قانون الجرائم المعلوماتية الثالث (Computercriminaliteit III) قد أصبح شراً لا بد منه إلى حد ما. يخول مشروع القانون سلطات تحقيق واسعة للوصول إلى الأنظمة/الأعمال الآلية للمشتبه بهم. وعلى عكس قضية سنودن، يقدم مشروع القانون ضمانات أكبر بكثير. ومع ذلك، يبقى التساؤل عمّا إذا كانت هذه الضمانات كافية لمنع التدخل غير المتناسب في خصوصية المواطن الهولندي، وحتى في أسوأ الحالات، منع وقوع فضيحة «سنودن 2.0».
