مقدمة
أصبح الذكاء الاصطناعي (AI)، وخاصة الذكاء الاصطناعي التوليدي، جزءاً لا يتجزأ من العالم الرقمي ويساهم في عدد كبير من القطاعات، بما في ذلك الترفيه والرعاية الصحية والتعليم وغيرها الكثير. ومع ذلك، فإن الوتيرة السريعة لابتكار الذكاء الاصطناعي تصطدم بشكل متزايد بالقواعد القانونية القائمة، لا سيما في مجال حقوق النشر. ومع ازدياد براعة الذكاء الاصطناعي في إنشاء المحتوى، تثار تساؤلات حول انتهاك حقوق النشر، واستخراج البيانات (data scraping)، والمسؤولية، وحماية المواد التي يتم إنشاؤها تلقائياً.
لقد ثبت أن الإطار القانوني الحالي غير كافٍ لمعالجة هذه القضايا. تجد العديد من الشركات نفسها في مساحة قانونية غامضة، غير متأكدة من شرعية تصرفاتها، مما يؤدي إلى إبطاء الابتكار. هناك حاجة إلى تحديثات قانونية شاملة تضع قواعد واضحة لمستخدمي ومطوري الذكاء الاصطناعي لتشجيع تطويره مع حمايته في الوقت نفسه من العواقب الضارة المحتملة.
التحديات القانونية والردود التشريعية
في الآونة الأخيرة، كانت هناك زيادة في عدد الدعاوى القانونية ضد الذكاء الاصطناعي التوليدي، والتي تتعلق في الغالب بانتهاك حقوق النشر. غالباً ما تنشأ هذه الدعاوى القضائية من عدم اليقين بشأن استخدام البيانات التي تم جمعها من الإنترنت المفتوح لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان من القانوني لشركة ذكاء اصطناعي توليدي استخدام بيانات متاحة للجمهور لتدريب نظامها ثم منع الآخرين من فعل الشيء نفسه مع مخرجات نظامها.
علاوة على ذلك، إذا أنتج نظام ذكاء اصطناعي توليدي محتوى يشبه المواد الموجودة، فإن درجة التشابه التي تسبب المسؤولية عن انتهاك حقوق النشر تظل غير مؤكدة. هذه الأسئلة التي لم تتم الإجابة عليها تجعل الشركات، وخاصة الشركات الكبرى الأكثر عرضة للدعاوى القضائية، مترددة في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
بدأ المنظمون العالميون في التركيز على الحد من الأضرار التي يسببها الذكاء الاصطناعي، لكن حقوق النشر تستحق اهتماماً مماثلاً. إن وجود قواعد واضحة وعادلة من شأنه أن يضمن استفادة المزيد من الناس من الذكاء الاصطناعي بشكل أسرع.
مسائل لم تُحل
في الوقت الحالي، لا تزال هناك العديد من الأسئلة دون إجابة في هذا الميدان القانوني الشائك:
- هل من القانوني لشركة ذكاء اصطناعي تدريب نماذجها على بيانات تم جمعها من الإنترنت المفتوح دون اتفاق صريح مع مشغل الموقع الإلكتروني؟
- هل يمكن لشركة للذكاء الاصطناعي التوليدي منع الآخرين من تدريب نماذجهم على ناتج نظامها عبر تدريبها على بيانات متاحة مجاناً؟
- هل تتحمل شركة الذكاء الاصطناعي المُولِّد المسؤولية عن انتهاك حقوق الطبع والنشر إذا أنشأ نظامها مواداً تبدو مشابهة لمواد موجودة بالفعل؟ وإلى أي مدى يجب أن يكون التشابه بين المواد؟
- في الحالات التي ينتهك فيها المحتوى الذي تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي حقوق الطبع والنشر، من المسؤول - العميل أم مزود الخدمة السحابية؟
- هل المحتوى الذي يتم إنشاؤه تلقائياً محمي بحقوق الطبع والنشر، وإذا كان الأمر كذلك، فمن هو المالك؟ وماذا يحدث إذا قام مستخدمان بإنشاء محتوى متشابه باستخدام نفس نموذج الذكاء الاصطناعي؟
الحلول المقترحة
لحل هذه المشكلات، يُقترح ما يلي:
- السماح بالمعلومات: إذا كانت المعلومات الموجودة على الإنترنت متاحة بحرية وقابلة للتعلم من قبل البشر، فيجب منح أنظمة الذكاء الاصطناعي نفس الحقوق. هذا النهج يفيد المجتمع من خلال تشجيع الابتكار وتسريع نشر المعرفة. لاحظ أن اليابان تسمح صراحةً للذكاء الاصطناعي باستخدام المعلومات، بما في ذلك المعلومات غير المتاحة للجمهور.
- الاستخدام المتبادل للبيانات: إذا قامت شركة ذكاء اصطناعي بتدريب نظامها على بيانات الآخرين، فلا ينبغي لها أن تقيد الآخرين من التدريب على مخرجات نظامها. هذا يعزز المنافسة العادلة ويجعل الابتكار ممكناً.
- معايير واضحة للاستخدام العادل (fair use): إن بند "الاستخدام العادل" الحالي في الولايات المتحدة محدد بشكل غامض، مما يسبب ارتباكاً ويعيق التقدم. إن وجود معايير أوضح، مثل تحديد عتبة محددة للتداخل مع بيانات التدريب، من شأنه أن يتيح للشركات الابتكار ضمن حدود مقبولة اجتماعياً من حيث النزاهة.
- قوانين الملاذ الآمن: سيكون من المفيد وضع قواعد تضمن، في حال اتباعها أثناء إنشاء المحتوى، سلامة الوسائط التي تم إنشاؤها. من شأن ذلك أن يوفر الوضوح للمستخدمين وشركات الذكاء الاصطناعي.
على الرغم من أهمية الحد من الأضرار المحتملة للذكاء الاصطناعي، يجب بذل جهد مماثل لتسريع فوائد الذكاء الاصطناعي. إن التشريعات الواضحة في مجال حقوق الطبع والنشر هي خطوة مهمة في هذا الاتجاه، لكننا نحتاج أيضاً إلى لوائح تحدد صراحة ما هو مسموح به.
التطورات الأخيرة
تؤكد القضايا القانونية الأخيرة على إلحاح الموقف. فقد تعرض عدد من شركات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك Alphabet و Meta و OpenAI، لدعاوى قضائية من أصحاب حقوق الطبع والنشر الذين يزعمون أن أعمالهم قد استُخدمت دون إذن لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. تثير هذه القضايا تساؤلات حول الافتراض الذي طال أمده في مجتمع الذكاء الاصطناعي بأن قوانين حقوق الطبع والنشر الحالية تسمح بتدريب نماذج التعلم الآلي.
ورداً على ذلك، أبرمت OpenAI اتفاقيات مع أطراف مختلفة لاستخدام بيانات التدريب عالية الجودة الخاصة بهم. وفي اتفاقية غير مسبوقة، وافقت OpenAI على دفع المستحقات إلى Associated Press مقابل المقالات الإخبارية التي يعود تاريخها إلى عام 1985 لتدريب خوارزمياتها. وفي المقابل، تحصل Associated Press على رسوم ترخيص وإمكانية الوصول إلى تقنية OpenAI.
كما ينظر المشرعون الأمريكيون في هذه المسألة. فقد عقدت اللجنة الفرعية للملكية الفكرية التابعة لمجلس الشيوخ جلسات استماع بشأن الآثار المترتبة للذكاء الاصطناعي على حقوق التأليف والنشر، والتقت ممثلين عن Adobe وStability AI، فضلاً عن فنان وأستاذ في القانون ومحامٍ من Universal Music Group.
الخاتمة
تؤكد هذه الأحداث أن تشريعات حقوق الطبع والنشر القائمة عفا عليها الزمن ويجب إصلاحها. إن التقدم المتزايد في قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج أعمال إبداعية، غالباً ما يُحاكي أسلوب فنانين وكتّاب محددين، قد سلط الضوء على ضرورة النزاهة. وقد حفّز الوصول إلى كميات كبيرة من البيانات، التي غالباً ما يتم جمعها عبر الإنترنت المفتوح، التقدمَ الأخير في التعلّم الآلي. أي قيود على هذا الوصول قد تُبطئ التقدم أو تغيّر بصورة جذرية الجوانب الاقتصادية للبحث الحالي، مما يؤدي إلى تفاقم أوجه القصور وعدم المساواة الحالية.
لقد حان الوقت للوضوح بشأن حقوق الطبع والنشر والذكاء الاصطناعي التوليدي. يجب على المشرعين ورواد الأعمال والعلماء والفنانين والمواطنين العمل معاً لصياغة قوانين جديدة وضمان الوصول العادل إلى المعلومات مع استمرار الجهود لحماية حقوق الطبع والنشر.
